استمعت مؤخراً إلى حلقة من بودكاست جادي حول قيمة الشهادة الجامعية، استوقفتني محاورها كثيراً خصوصاً وأن كان لي تجربة العمل في لجان الخريجين خلال عملي الأكاديمي. أحد الأفكار المهمة تحدثت عن مدى تغطية التعليم الجامعي لاحتياجات سوق العمل وعدم التوافق الواضح بين عدد الخريجين من التخصصات الجامعية ومتطلبات سوق العمل. فالعديد من الخريجين يستغرق وقتاً طويلاً للحصول على وظيفة، والبعض يضطر للعمل في مجال مختلف عن مجال دراسته. وهنا يُطرح سؤال مهم: ما الهدف من الحصول على الشهادة الجامعية؟
ذكرني هذا بأحد النقاشات التي دارت عندما كنا نعد في قسم الجرافيك والوسائط المتعددة لتطوير المنهج ونتحدث عن العائد المعرفي للقسم ووضع الخريجين في سوق العمل. تختلف الآراء كثيراً في هذا الموضوع، وتدخل الرؤى الشخصية والتجارب في اتخاذ مثل هذه القرارات،
تحتاج التخصصات لتغطية احتياج سوق العمل لكنها أيضاً تتنبأ باحتياج المستقبل وتهيء نسبة من الخريجين لابتكار فرص وظيفية وحل مشكلات متجددة قد لا تكون حاضرة حين تخرج الطلاب.
في التخصصات التي تدرسها المرأة على وجه الخصوص، هناك عوامل أخرى يجب النظر فيها. عندما تستثمر الدولة في التعليم الجامعي وتتكلف الأسرة بتقديم الدعم لبناتها للحصول على أعلى الشهادات، ما هي القيمة الحقيقية لهذه الشهادات حين تتخرج الفتاة ولا تدخل سوق العمل؟ ما هو العائد الفكري والثقافي والمحصول العلمي الذي يعود للدولة والعائلة بقيمة تتوافق مع قيمة الاستثمار؟
بالتأكيد، أحد طرق تقييم نجاح التخصصات هي قياس نسبة توظيف الخريجين، وتتباهى الأقسام بهذه الأرقام وتصدرها حين تبحث عن المنح والرعاة لمشاريعها، فهي تخرج ما يحتاجه السوق وهذا مؤشر يثبت نجاحها ويضمن لها الاستمرارية. لكن ماذا عن الطالب الذي يتخرج ويهدف لإكمال مسيرته في البحث العلمي أو يقرر أن يفتح مشروعاً خاصاً؟ هل يتخرج بالمهارات المطلوبة لذلك؟ هل يكفي أن نوفر له ندوة عن الموضوع ونستضيف شخصاً للحديث عن المسارات الوظيفية المتاحة للخريجين؟
هناك سمات يحتاجها أي فرد في هذا العصر بغض النظر عن تخصصه، مثل القدرة على التواصل الفعال، حل المشكلات، البحث والتقصي، الابتكار والتفكير الإبداعي، والتعامل مع التقنية وغيرها. لا يكفي أن نحصر هذه المخرجات في تخصصات مثل ريادة الأعمال والهندسة، بل يجب أن يمتلكها كل الخريجين من مختلف التخصصات الأدبية والعلمية بشكل أو بآخر. المرأة تحديداً تستفيد من مثل هذه المهارات في بيتها مع عائلتها في اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية أكثر من غيرها حين تؤسس أسرة ولا تذهب بالضرورة لسوق العمل بشكل مباشر، لكنها تربي من ينتهي به المطاف في سوق العمل بطريقة أو بأخرى. وأنا هنا أصف واقعاً أجده مهدراً نادراً ما يدخل ضمن هذه النقاشات بين صناع القرار، من الطاقات المتمكنة علمياً والتي تفتقد للعديد من المهارات الأخرى التي يحتاجها الفرد في هذا الزمن. كيف تُبنى المهارات الجامعية بحيث تخدم الفرد بغض النظر عن قدرته على ممارسة المهارات العلمية المتعلقة بحيثيات التخصص الدقيق؟
مثل حرصنا على توفير الفرص الوظيفية المناسبة وتشجيع المرأة على العمل، علينا أيضاً أن ندعمها حين تختار ألا تعمل في وظيفة تقليدية، بتمكينها من المهارات التي تجعلها شخصية فاعلة في المجتمع ومؤثرة في محيطها، بغض النظر عن مساهمتها في رفع نسب البطالة أو زيادة نسبة العنصر النسائي لإثبات المساواة في مؤسسات العمل.
وللتوضيح، فأنا لا أتحدث عن العمل بشكل حصري، فهناك عوامل متشعبة كثيرة تدخل في تحديد مصير العمل للمرأة، وهناك العديد من النساء من تتوجه للعمل في القطاع الغير ربحي أو من تنضم للأسر المنتجة وغيرها، لكن هذا السؤال يدعونا لإعادة تقييم مخرجات التعليم الجامعي للجميع لما هو أبعد من المحصلة العلمية والمهارات التطبيقية التي يحتاجها سوق العمل، بل لما هو أبعد من ذلك من مهارات التفكير والتحليل ونمط التفكير الذي يجعل الخريج الجامعي عضواً فعالاً في بيئته، سواء انتهى به المطاف في عمل حر، في شركة خاصة/عامة، في الابتكار وريادة الأعمال، في البحث العلمي أو في المنزل.
برأيي، توزيع هذه المهارات على المناهج ودمجها بشكل مناسب في المقررات الجامعية هو الحل الأفضل. على سبيل المثال لا يكفي أن يكون هناك مقرر واحد يتحدث عن البحث العلمي لأن التعلم النظري يختلف عن الممارسة، لكن ما يضمن مخرجات أفضل هو إدراج منهج البحث العلمي في أكثر من مقرر بحيث يتعلم الطالب المهارة ويمارسها بالتدرج حتى يتخرج بدرجة من الإدراك الكافي والثقة لممارستها في مجاله، أياً كان.
ما هو الهدف من التعليم الجامعي؟ بالتأكيد، التنافس الحالي في الحصول على الشهادات وتباهي الجميع بنشر منجزاته المعرفية يجعل سؤالاً مثل هذا يبدو سخيفاً. لكن القراءة الواقعية لمخرجات التعليم تجعل مثل هذه الأسئلة جوهرية. لا يكفي أن التعليم يرفع من مستوى التفكير ويحسن من جودة الحياة بشكل سامٍ، بل لا بد من وجود مخرجات واضحة على مستويات متعددة: مهارية، فكرية، علمية، وشخصية، تأخذ بعين الاعتبار سيناريوهات مختلفة يمكن أن ينتهي إليها الخريج.
ذكرني هذا بنص سابق كتبته حول موضوع مشابه
وظيفة غير قابلة للتصوير
بودكاست جادي: قيمة الشهادة الجامعية
